المقريزي
425
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
تقولون في القصير ؟ قلنا قصير موسى . فقال : ليس بقصير موسى ، ولكنه قصير عزيز مصر ، كان إذا جرى النيل يترفع فيه . وعلى ذلك إنه لمقدّس من الجبل إلى البحر . قال : ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس ، وكان على المقطم موقد آخر ، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدّوا له ما يريد ، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس ، واللّه أعلم ، وما أحسن قول كشاجم : سلام على دير القصير وسفحه * بجنات حلوان إلى النخلات منازل كانت لي بهنّ مآرب * وكنّ مواخيري ومنتزهاتي إذا جئتها كان الجياد مراكبي * ومنصرفي في السفن منحدرات فأقبض بالأسحار وحشيّ عينها * واقتنص الأنسيّ في الظلمات معي كلّ بسام أغرّ مهذب * على كل ما يهوى النديم مواتي ولحمان مما أمسكته كلابنا * علينا ومما صيد في الشبكات وكأس وإبريق وناي ومزهر * وساق غرير فاتر اللحظات كأنّ قضيب البان عند اهتزازه * تعلم من أعطافه الحركات هنالك تصفو لي مشارب لذتي * وتصحب أيام السرور حياتي وقال علماء الأخبار من النصارى : إن أرقاديوس ملك الروم طلب أرسانيوس ليعلّم ولده ، فظنّ أنه يقتله ، ففرّ إلى مصر وترهب ، فبعث إليه أمانا وأعلمه أن الطلب من أجل تعليم ولده ، فاستعفى وتحوّل إلى الجبل المقطم شرقيّ طرا ، وأقام في مغارة ثلاث سنين ومات ، فبعث إليه أرقاديوس فإذا هو قد مات ، فأمر أن يبنى على قبره كنيسة ، وهو المكان المعروف بدير القصير ، ويعرف الآن بدير البغل ، من أجل أنه كان به بغل يستقي عليه الماء ، فإذا خرج من الدير أتى الموردة ، وهناك من يملأ عليه ، فإذا فرغ من الماء تركه فعاد إلى الدير . وفي رمضان سنة أربعمائة أمر الحاكم بأمر اللّه بهدم دير القصير ، فأقام الهدم والنهب فيه مدّة أيام . دير مرحنا : قال الشابشتي : دير مرحنا على شاطىء بركة الحبش ، وهو قريب من النيل ، وإلى جانبه بساتين أنشأ بعضها الأمير تميم بن المعز ، ومجلس على عمد ، حسن البناء مليح الصنعة مسوّر ، أنشأه الأمير تميم أيضا ، وبقرب الدير بئر تعرف ببئر مماتي ، عليها جميزة كبيرة يجتمع الناس إليها ويشربون تحتها ، وهذا الموضع من مغاني اللعب ومواطن القصف والطرب ، وهو نزه في أيام النيل وزيادة البحر وامتلاء البركة ، حسن المنظر في أيام الزرع والنواوير ، لا يكاد حينئذ يخلو من المتنزهين والمتطربين ، وقد ذكرت الشعراء حسنه وطيبه ، وهذا الدير يعرف اليوم بدير الطين بالنون . دير أبي النعناع : هذا الدير خارج انصنا ، وهو من جملة عماراتها القديمة ، وكنيسته